‏إظهار الرسائل ذات التسميات احسن القصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات احسن القصص. إظهار كافة الرسائل

زين العابدين

ثورةُ الدُّمُوع
حول حياة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام
كُنْتُ جَالِساً لِوحدي أَتأَمّلُ في أَحْداثِ التأريخِ.. فَإِذا بالتأريخِ يَفْتَحُ أَمامِي سَتائِرَهُ.. سِتارَةً بعدَ أُخرى.. حَتّى وَجَدْتُ نَفْسِي أَدْخُلُ بِنايَةً تَخْتَلِفُ فِي طرازِها عَنْ بِناياتِ هذا العَصْرِ.. فَوَقَفْتُ مَذْهُولاً لِما أُشاهدُهُ أَمامِي.. رِجالٌ يَرْتَدُونَ الزيَّ الاِسلامِيَّ.. وَتَتَعالى مِنْ أَفْواهِهِمْ قَهْقَهاتُ ضِحْكٍ عاليةٌ.. وتُدارُ بَينَهُمْ كؤوسُ الخَمْرِ.. وتَصْخَبُ المُوسِيقى فَتَتَمايَلُ الراقصاتُ على أَنْغامِها بِحَركاتٍ مُغْرِيَةٍ للغايَةِ..
وَرَغْمَ ارْتِفاعِ أصْواتِ الضَحِكِ.. وَصَخَبِ المُوسِيقى والغِناءِ.. إِلاّ إنّي سَمِعْتُ صَوتَ بُكاءٍ ونَحِيبٍ يَنْسابُ إلى مَسامِعي.. فَخَرَجْتُ لأتَعَرَّفَ عَلى ذلِكَ الشخْصِ.. وَأَقِفُ عَلى سَبَبِ بُكائِهِ.. وَإِذا بِي أُشاهِدُ شَيْخاً يَسيِرُ على جانبٍ من الطريق بِالقُربْ منّي وهُوَ يُتَمْتِمُ قائِلاً : ـ تَبَّاً لَكُمْ أَيُّها الاَُمَوِيُّونَ وَسُحْقاً.. أَيُّ عَصْرٍ هذا الّذِي تَسُودُهُ الانْحِرافاتُ فِي الدِينِ وَالاََخلاقِ وَالآدابِ.. وَيَسُوسُهُ حُكّامٌ ظالِمونَ طُغاةٌ لا يَفْقَهُونَ مِنَ الدِينِ إِلاّ اسْمَهُ.. وَلاَ يَعْرِفُونَ مِنَ الحَقِّ إلاّ رَسْمَهُ.. حَتّى وَجَدَ الاِنسانُ مِنّا نَفْسَهُ يَعِيشُ فِي خَضْمِ مَعارِكٍ طاحِنَةٍ تَخُوضُها الحَركاتُ والتيّاراتُ السياسيةُ والاجتماعِيةُ الَتي تَتَّخِذُ مِنَ الاِسلامِ سِتاراً لها.. وهِيَ أَقلُّ ما تَتَّصِفُ بهِ اللؤُمُ والدَهاءُ.. الشخْصِيةُ الاِنسانيةُ فِي عَالَمِنا أَصَبَحَتْ تَفْتَقِدُ إِلى صَفائِها ونَقائِها وَطُهْرِها..
فَقَدْ كَثُرَ الرِياءُ.. وتَفَشَّى النِفاقُ.. وأَصْبَحَتِ المسؤوليةُ ثَقِيلَةً عَلى عاتِقِ المُؤْمِنِينَ الرساليِّينَ..

فَتَقَدَّمتُ مِنْه قائِلاً : ـ مَعذِرَةً يا شَيخُ..! أَنا لاَ أَفْهَمُ مَا يَحْصُلُ أَمامِي..!! إِنّي شَاهَدْتُ بَعْضَ الرِجَالِ الّذِينَ يَظْهَرُونَ بِالزيِّ الاِِسلامِيِّ وَلكِنْ لِلاَْسَفِ الشدِيدِ تَصرُّفاتُهُمْ تَدُلُّ على أَنَّهُمْ يَعِيشُونَ فِي زَمنِ الجاهِلِيةِ..

فَانْفَجَرَ الشيخُ باكِياً وَهُوَ يَصْرَخُ قائِلاً : ـ أَلَمْ تَسمَعْ عَن الاَُمَويّين.. ؟! صَمَتَ بُرهةً يَتَأَمَّلَنِي.. ثُمّ أَرْدُفَ قائِلاً : ـ مَعْذِرَةً يابُنيَّ..! يَبْدُو أَنَّكَ مِنْ زَمَنٍ غَيرَ زَمَنِنَا.. ؟!!

فَقلْتُ لَهُ مُبتَسِماً : ـ لا بأسَ عَلَيْكَ يا شَيخُ إِذا كُنْتَ لا تُطيقُ الاِِجابَةَ عَلى سُؤالِي.. فَهَلْ يُمكِنُ لَكَ اَنْ تُعرِّفَنِي بِذلِكَ الرَجُلُ الَّذِي يَملاَُ المَدينَةَ مِنْ حَولِنا بُكاءً وَنَحِيباً.. ؟
فَتَنَهَّدَ قَائِلاً : ـ ذلِكَ الرجُلُ يا بُنيَّ هُوَ الاِمامُ عليٌّ بنُ الحسينِ السَجّادِ عليه السلام . وَهُوَ مِنْذُ واقِعَةِ الطَفِّ عَلى هذِهِ الحالَةِ..

فَقُلْتُ مُنْدَهِشاً : ـ وهَلْ سَيَقْضِي الاِمامُ السَجّادُ عليه السلام حَياتَهُ بالبُكاءِ عَلى مُصِيبةِ وَالِدِهِ الاِمامِ الحُسينِ عليه السلام .. ؟! إِذَنْ ما هُوَ دَورُه إِزاءَ هذِهِ الاََحْداثِ كَوْنَهُ إِماماً مَعْصوماً تَقَعُ عَلَيهِ مَسؤُولِيةُ الحِفاظِ عَلى رسالةِ جَدِّهِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .

وَفِي هذِهِ الاََثْناءِ.. وَجَدْتُ الشَيخَ يَرفَعُ يَدَهُ فِي وَجْهِي قائِلاً: ـ لاياوَلَدِي! يَجِبُ أَنْ لاَ تَشُكَّ أَبداً في دَورِ الاِِمامِ السَجّادِ عليه السلام .. لِأَنَّ مَا جَاءَ فِي الرِسالةِ الُمحمّدِيّةِ الاَصِيلَةِ لاَ يُمْكِنُ اَنْ تَتَجَسَّمَ كامِلُ أَفعالِهِ فِي شَخْصِ أَيِّ إِنسانٍ مَهْما يَكُنْ ، سِوى فَي أَهلِ بَيتِ النُبُوَّةِ عليهم السلام فَهُمْ مَعْدِنُ الرِسالَةِ وَمَهْبِطُ الوَحيِّ ومُخْتَلَفِ الملائِكَةِ.. بِهِمْ فَتَحَ اللهُ.. وبِهِمْ يَخْتِمُ.. وَبُكاءُ الاِمامِ السِجّادِ عليه السلام يا وَلَدِي لَيسَ لِما حَصَلَ لِوالِدِهِ الاِِمامِ الحُسينِ عليه السلام وَلاَهْل بَيْتِهِ مِنْ مَصائِبَ وفَواجِعَ فِي يومِ العاشرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. وَإِنّما هُوَ يَبكِي لِيُذَكِّرَ الناسَ بِأَهمِّيّةِ الاََسْبابِ التِي دَعَتِ الاِمامَ الحُسينَ عليه السلام إلى تِلْكَ التَضْحِيَةِ الكَبِيَرةِ التِي نَتَجَ عَنْها اسْتِشْهادُهُ.. واسْتِشْهادُ أَوْلادِهِ وإِخْوَتِهِ وأَبناءِ إِخْوَتِهِ وأَصْحابِهِ وسَبْيُ نِسائِهِ ، فِي ثَورةٍ أرادَ بِها إِيقاظَ الضَمِيرِ الاِِنسانيِّ.. وَتَوعيةَ العَقْلِ المُفَكِّرِ.. وَمَا بُكاءُ الاِمامِ السَجّادِ عليه السلام إِلاّ ثَورةٌ مُكَمِّلَةٌ لِثَورَةِ أَبِيهِ الاِمامِ الحُسَينِ عليه السلام يُرِيدُ بِها إِيقاظَ عَواطِفِ النَاسِ وضَمائِرِهِمْ.. وتَذكيرَهُمْ بما قَدَّمَهُ وَالِدُه الاِِمامُ الحسينُ عليه السلام بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ الاَُمويونَ يَجُرُّونَ النَاسَ إِلى مَجالِسِ اللهْوِ يَجِبُ أَنْ لاَ تَشُكَّ أَبداً في دَورِ الاِِمامِ السَجّادِ عليه السلام .. لِأَنَّ مَا جَاءَ فِي الرِسالةِ الُمحمّدِيّةِ الاَصِيلَةِ لاَ يُمْكِنُ اَنْ تَتَجَسَّمَ كامِلُ أَفعالِهِ فِي شَخْصِ أَيِّ إِنسانٍ مَهْما يَكُنْ ، سِوى فَي أَهلِ بَيتِ النُبُوَّةِ عليهم السلام فَهُمْ مَعْدِنُ الرِسالَةِ وَمَهْبِطُ الوَحيِّ ومُخْتَلَفِ الملائِكَةِ.. بِهِمْ فَتَحَ اللهُ.. وبِهِمْ يَخْتِمُ.. وَبُكاءُ الاِمامِ السِجّادِ عليه السلام يا وَلَدِي لَيسَ لِما حَصَلَ لِوالِدِهِ الاِِمامِ الحُسينِ عليه السلام وَلاَهْل بَيْتِهِ مِنْ مَصائِبَ وفَواجِعَ فِي يومِ العاشرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. وَإِنّما هُوَ يَبكِي لِيُذَكِّرَ الناسَ بِأَهمِّيّةِ الاََسْبابِ التِي دَعَتِ الاِمامَ الحُسينَ عليه السلام إلى تِلْكَ التَضْحِيَةِ الكَبِيَرةِ التِي نَتَجَ عَنْها اسْتِشْهادُهُ.. واسْتِشْهادُ أَوْلادِهِ وإِخْوَتِهِ وأَبناءِ إِخْوَتِهِ وأَصْحابِهِ وسَبْيُ نِسائِهِ ، فِي ثَورةٍ أرادَ بِها إِيقاظَ الضَمِيرِ الاِِنسانيِّ.. وَتَوعيةَ العَقْلِ المُفَكِّرِ.. وَمَا بُكاءُ الاِمامِ السَجّادِ عليه السلام إِلاّ ثَورةٌ مُكَمِّلَةٌ لِثَورَةِ أَبِيهِ الاِمامِ الحُسَينِ عليه السلام يُرِيدُ بِها إِيقاظَ عَواطِفِ النَاسِ وضَمائِرِهِمْ.. وتَذكيرَهُمْ بما قَدَّمَهُ وَالِدُه الاِِمامُ الحسينُ عليه السلام بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ الاَُمويونَ يَجُرُّونَ النَاسَ إِلى مَجالِسِ اللهْوِ والرَقْصِ والغِناءِ والخَمْرِ.. والناسُ يَنْساقُونَ مُتَناسِينَ بِذلِكِ ما ضَحّى بِهِ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام مِنْ أَجْلِهِمْ.. لِهذا وَجَدَ الاِمامُ السجّادُ عليه السلام أَنَّ مِنْ واجِبِهِ إِصلاحَ ما أَفْسَدَهُ الاَُمَويُونَ فِي رِسالةِ جَدِّهِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وأَرادَ بِذلِكَ إِكمالَ الطَرِيقِ الّذِي رَسَمَهُ وَالِدُهُ سَيّدُ الشُهداءِ عليه السلام .. فَهْوَ حِينَ يَبكِي عَلى المصائبِ العَظِيمَةِ التِي حَدَثَتْ فِي يَومِ العاشِرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. يُريدُ بِذلِكَ تَذكِيرَ النَاسِ بِهذِهِ الفاجِعَةِ المُؤْلِمَةِ التِي حَفِظَ
مِنْ خِلالَها وَالِدُهُ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام المبادئَ الاِِسلاميّةَ الاَصِيلَةَ.. وَعَلَّمَهُمْ كَيفِيَةَ الدِفاعِ عَنْها والتَضْحِيَةَ مِنْ أَجْلِها.. لاََِنَّ فِيها كَرامَتَهُمْ.. وَشَرَفَهُمْ.. وآخِرَتَهُمْ.. وَلِذلِكَ فَالاَِمامُ السَجّادُ عليه السلام حَتّى عِنْدَما يَخْرُجُ إلى السُوقِ.. فَيشاهِدُ قَصّاباً يَذْبَحُ خَروفاً يَسْأَلَهُ عَمّا إذا كانَ قَدْ سَقى الخَروفَ ماءً قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهُ أَمْ لا.. فَيُجِيبَهُ القَصّابُ بِأَنَّهُ لا يَذْبَحُ خَروفاً حَتّى يُسْقِيهِ ماءً.. هُنا يُحَدِّقُ الاِِمامُ السجّادُ عليه السلام فِي وُجُوهِ الجُمُوعِ مِنَ النَاسِ.. لِيَقُولَ لَهُمْ : ـ (انْظُروا : الكبشُ لا يُذْبَحُ حَتّى يُسْقى الماءَ.. وَأَبي الحُسينُ عليه السلام ذُبِحَ عَطْشاناً دُونَ اَنْ يُسقى مِنَ الماءِ..) يُرِيدُ بِذلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلناسِ تِلْكَ الظُروفَ القاسِيَةَ التِي اسْتُشْهِدَ فِيها الاِمامُ الحسينُ عليه السلام ومَنْ مَعَهُ مِنْ أَهلِ بَيتِهِ وأَصحابِهِ . وهُناكَ طَرِيقَةٌ أُخرى يُحاوِلُ مِنْ خِلالِها الاِِمامُ السجّادُ عليه السلام أَنْ يُبَيِّنَ لِلناسِ حَقِيقَةَ ما يَجْرِي حَولَهُمْ.. فَيقُولُ عليه السلام : ـ « إذا رَأيْتُمُ الرَجُلَ قَدْ حَسُنَ سَمْتُهُ وتمادى في مَنطِقِهِ وتَخاضَعَ فِي حَركاتِهِ ، فَرُوَيْداً لا يَغُرَّنَّكُمْ ، فَما أَكثرَ مَنْ يُعْجِزُهُ تَناوُلُ الدُنيا ، ورُكوبُ الحَرامِ مِنْها لِضَعْفِ نِيّتِهِ ومَهانَتِهِ وجُبْنِ قَلْبِهِ ، فَنَصَبَ الدينَ فَخّاً لها.. فَهُوَ لاَ يَزالُ يَخْتَلُ بِظاهِرِهِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْ حَرامٍ اقْتَحَمَهُ.. وَإِذا وَجَدتُمُوهُ يَعِفُّ عَنِ المالِ الحرامِ فَرُوَيْداً لا يَغُرَّنَّكُمْ.. فإنّ شَهَواتِ الخلقِ مُختلِفةٌ فما أكْثرَ مَنْ يتأبّى عنِ الحَرامِ وإنْ كَثُرَ.. ويحْمِلُ على نفسِهِ شَوْهاءَ قَبيحةٍ فَيأتي فِيها مُحَرَّماً.. ولا يَغُرَّنَّكُمْ الرَجُلُ حتّى تَنْظُروا عُقْدَةَ عَقْلِهِ.. فَما أَكْثَرَ مَنْ تَرَكَ ذلِكَ أَجْمَعَ ثُمَّ لا يَرجِعُ إِلى عَقلٍ مَتِينٍ فَيكونَ ما يُفسِدُهُ بِجَهْلِهِ أكثَر مِمّا يُصْلِحُهُ بِعَقْلِهِ.. فَإِذا وَجَدْتُمْ عَقْلَهُ مَتِيناً فَرُوَيْداً لا يَغُرَّنَّكُم حَتّى تَنْظُروا أَيكونُ هَواهُ عَلى عَقْلِهِ.. أَمْ يَكونُ عَقْلُهُ عَلى هَواه.. وَكَيْفَ مَحَبَّتُهُ لِلرِئاسَةِ الباطِلَةِ وَزُهْدُه فِيها.. فَإِنَّ فِي الناسِ مَنْ يَتْرُكُ الدُنْيا لاََِجْلِ الدُنيا.. وَيَرى أَنَّ لَذّةَ الرِئاسَةِ الباطِلَةِ أَفْضَلَ مِنْ رِئاسَةِ الاََمْوالِ والنِّعَمِ المُباحَةِ الُمحلَّلَةِ.. فَيَتْرُكَ ذلِكَ طَلباً لَها حَتّى إِذا قِيلَ لَهُ : (اتّقِ الله..) أَخْذَتْهُ العِزّةُ بِالاِِثْمِ.. فَحَسْبُهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهادِ.. فَهْوَ يَتَخَبَّطُ بِشَكْلٍ عَشوائيٍّ يَقُودُهُ طَلَبُهُ إلى الخَوضِ فِي طُغيانِهِ.. فَيُحِلُّ ما حَرَّم اللهُ.. ويُحرِّمُ ما أَحَلَّ.. لا يُبالِي بِما فاتَ مِنْ دِينِهِ إذا سَلِمَتْ لَهُ الرِئاسَةُ.. » .

ـ مَعنى هذا أَنَّ الاِمامَ السَجّادَ عليه السلام حِينما وَجَدَ أَنَّ الظُروفَ غَيْرَ مُناسِبَةٍ للقيام بِأَيِّ عَمَلٍ عَسْكَرِيٍّ.. اسْتَخْدَمَ أُسْلُوباً فِي الاِِصلاحِ وَتَوْعيةِ الناسِ.. لِيَقِفَ بِهِمْ فِي مُواجَهَةِ الحُكْمِ الاَُمَويِّ بَعْدَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ إِسْقاطِ الاََقْنِعَةِ التِي تُغَطّي سِياسَةَ هذا الحُكْمِ..

فَتَهَلَّلَ وَجْهُ الشَيْخِ فَرَحاً وَهُوَ يقولُ لِي : ـ نَعَمْ . هذا ما أَرَدْتُ تَوْضِيحَهُ لَكَ مِنْ خِلالِ حَدِيثي مَعَكَ.. فَالاِِمامُ السَجّادُ عليه السلام يُريدُ تَوسِيعَ القاعِدةِ الشيعيّةِ المُوالِيَةِ لاََِهْلِ البَيْتِ عليهم السلام عَنْ طَرِيقِ إِثارَةِ عَواطفِ الناسِ.. وَمِنْ ثَمَّ السعْي بِها إِلى وَلاءٍ حقيقيٍّ فعّالٍ يستَطيعُ مِنْ خِلالِهِ رَفْعَ المُستَوى العَمَلِيِّ للحِفاظِ على رِسالةِ جَدِّهِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَعْدَ أنْ يَكونَ قَدْ خَلَقَ قِياداتٍ فَكْرَيةً مُتَمَيِّزَةً تَحْمِلُ الفِكْرَ الاِسلاميَّ الصَمِيمَ.. لِذلِكَ فهُوَ دائِماً يُقِيمُ مَجالِسَ العَزاءِ فِي بَيْتِهِ لِتَبْقى ذِكْرى الاِمامِ الحُسينِ عليه السلام وأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحابِهِ خَالِدَةً فِي ضَمِيرِ الاَُمَّةِ.. وهُناكَ أُسلُوبٌ آخَرٌ يِتَّبِعَهُ الاِمامُ السجّادُ عليه السلام وهوَ الدُعاءُ.. كَونُ الدُعاءَ يَحْمِلُ وَجْهاً عِبادِيّاً.. وآخَرَ اجتماعيّاً.. ويَسيرُ مَعَ مَسارِ الحَركَةِ الاِِصلاحِيَّةِ التِي يَقُودُها.. وَدُعاءُ الاِمامِ السجّادِ عليه السلام يَمْنَحُنا مُحتوىً رُوحيّاً واجتِماعيّاً مُتَعَدِّدَ الجوانِبِ.. فَهُوَ بِالاِِضَافَةِ إلى كَونِهِ يُعَلِّمُنا كَيفِيَّةَ تَمجِيدِ اللهِ وَتَقْديسِهِ ومُناجاتِهِ والانْقِطاعِ لَهُ



والتَوبَةِ إِليهِ.. ويُعلِّمُنَا كَذلِكَ أُسلوبَ البِرِّ بِالوالدَينِ.. فَيَشْرحَ لَنا حُقُوقَ الوالدِ عَلى وَلَدِهِ وَبالْعَكْسِ.. وحُقوقَ الجِيرانِ.. وحُقوقَ المُسلِمِينَ بَعضِهِمْ على بَعْضٍ فِي كافَّةِ الَمجالاتِ.. وَقَدْ اتَّخَذَ الاِمامُ السجّادُ عليه السلام مِنَ المَسْجِدِ النّبويِّ الشَرِيفِ وَمِنْ دارِهِ المُبارَكَةِ مَجالاً خَصْباً لِنَشْرِ المَعرِفَةِ الاِِسلامِيّةِ.. وَإنْ شاءَ اللهُ سَوْفَ يَتَخَرَّجُ مِنْ تَحْتَ يَدِهِ الكرِيمَةِ قادةٌ يُعتمَدُ عَليهم فِي المُستَقْبَلِ..
وبَعْدَ اَنْ انْتَهى الشَيخُ مِنْ كلامِهِ.. ابتَسَمْتُ في وَجْهِهِ قائلاً : شُكراً جَزِيلاً لَكَ يا شَيخيَ الجليلَ.. لَقَدْ قَدَّمْتَ لِي فِكْرَةً رائِعَةً عَنْ مَسارِ الحَرَكَةِ الاِِصلاحِيَّةِ لِلاِِمامِ السجّادِ عليه السلام ..

* * *

كانَتْ رِحْلَةٌ مُمتِعَةٌ قَضَيْتُها بَينَ أَحداثِ التارِيخِ.. وَكَأَنّي كُنْتُ أَعْيشُ فِي ذلِكَ الزَمَن.. بَعْدَها رُحْتُ أُواصِلَ مُتابَعَةَ الاََحداثِ عِبْرَ صَفَحاتِ ذلِكَ التَاريخِ وأَنا أَتساءَلُ: هَلْ استَطاعَ الاِمامُ عليٌّ بنُ الحُسينِ السَجّادِ عليه السلام أَنْ يُحقِّقَ ما كانَ يَصْبُو إِليهِ..؟
نَعَمْ.. فَقَدْ أَصْبَحَ الاِمامُ السَجّادِ عليه السلام يَتَمَتَّعُ بِشَعْبِيَّةٍ هائِلَةٍ.. بَعْدَ أَنْ نَالَ بِعِلْمِهِ وعبادَتِهِ إِعجابَ الناسِ.. وَقَدْ بَهرَهم بِصَبْرِهِ وَحِلْمِهِ.. واحْتَلَّ قُلوبَهُمْ وعَواطِفَهُمْ بِكَرَمِهِ وَإِحْسانِهِ.. فَصارَ السعيدُ مِنْهُمْ مَنْ يَحْظى بِرُؤْيَتِهِ.. ويَتَشَرَّفُ بِمقابَلَتِهِ والاسْتماعِ لِحدِيثِهِ.. فَشَقَّ ذلِكَ عَلى الاَُمَوِيّينَ.. وأَقَضَّ مَضاجِعَهُمْ.. لا سِيّما الوليدُ بنُ عبدِالمَلِكِ فَقَدْ كانَ هذا الخَبِيثُ منْ أَعظَمِ الحاقِدِينَ على الاِمامِ السَجّادِ عليه السلام وَقَدْ كانَ يُرَدِّدُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ : ـ لا راحةَ لي وعليٌّ بنُ الحُسينِ مَوجُودْ في دارِ الدُنيا..

* * *

فَجأةً.. !! وإذا بالاِِمامِ عليٍّ بنِ الحُسينِ السَجّادِ عليه السلام يَتَلَوَّى في فِراشِهِ والسُمُّ يَتَفاعَلُ فِي بَدَنِهِ فَتَتزايَدُ عَلَيْهِ قَسْوةُ الآلامِ.. لَقَدْ فَعَلَها ذلِكَ الخَبِيثُ الملعونُ الوليدُ ابنُ عَبدِالملك فَسَخَّرَ مَنْ يَدُسُّ السُمَّ لِلاِِمامِ السَجّادِ عليه السلام ..

وبَعْدَ أَنْ هرعَ الناسُ لِعيادَةِ الاِمامِ السجّادِ عليه السلام .. وَجَدُوهُ يَدعُو اللهَ تَعالى ويَحْمَدُهُ ، ويُثْنِي عَلَيْهِ وهُوَ يُعانِي مِنْ شِدَّةِ الآلامِ وَقَساوَتِها.. وَقَدْ بَقيَ عَلى هذا الحالِ بِضْعَةَ أيّامٍ حَتّى اسْتُشْهِدَ في الخامِسِ والعِشرينَ مِنْ الُمحرمِ الحَرامِ سَنَةَ خَمسٍ وتِسعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ الشَرِيفَةِ.. وقَدْ كانَ عُمرُهُ الشَرِيفُ سَبْعاً وخَمسِينَ سَنَةً.

قصة سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب

وحان الوقت

تَنَفَسَ الصعْداءَ وَهُوَ يَجلِسُ عَلى كُرسيِّ الحُكْمِ بَعدَ مَوتِ أَبِيهِ ثُمَّ راحَ يُرَدِّدُ بِفَرحٍ شَدِيدٍ : لَقدْ أَصبَحتُ حاكِماً..

لكِنَّ سِرعانَ مَا صَرَخَ هاتِفٌ في رَأسِهِ : لَقَدْ آنَ الاََوانُ لِيَنكَشِفَ ذلِكَ الغِطاءُ..

اِنتَفَضَ صَارِخاً : أيَّ غطاءٍ.. ؟!

ـ ذلِكَ الغِطاءُ الّذِي حَرَصَ والدُك عَلى اَنْ يَبقى مُسدِلاً عَلى جَميعِ تَصَرُفاتِهِ وَأَفعالِهِ.. فَاستَطاعَ بِذلِكَ أَنْ يُمرِّرَ سِياسَتَهُ عَلى عُقولِ الناسِ.. وَقَدْ بَذَلَ قُصارى جُهدِهِ لِيبقى الغِطاءُ بَرّاقاً ، فَحاوَلَ بِذلِكَ مَنَحَ سُلُوكَهُ الصفَةَ الشَرعيّةَ أَمامَ الرأي العامّ...

أَخَذَ الخوفُ يَتَسَرَّبُ إِلى أعْماقِ يَزيدَ وَهُوَ يُحاوِلُ مُقاوِمَتَهُ بِتَحَدِّي ذلِكَ الصوتِ الصارِخِ فِي رَأسِهِ : وأَنا كَذلِكَ.. سَأُواصِلُ طَرِيقَ والِدي فِي الُمحافَظَةِ عَلى ذلِكَ الغِطاءِ مُسدِلاً عَلى سِياسَتي..

تَتَعالى فِي رَأْسِهِ قَهقَهاتُ ضِحكٍ.. ثُمَّ يَصرُخُ ذلِكَ الهاتِفُ :

أَنتَ.. ؟!! مَنْ لا يَعرفُ يَزيدَ بنَ معاويةَ هذا الّذِي يَشْرَبُ الخَمْرَ والمُولِعَ بِتَربِيَّةِ القُرودِ والطُيورِ ،
وَفِي إِقامَةِ مَجالِسِ اللّهوِ والغِناءِ.. أَيُّ مّجتَمَعٍ إِسلاميٍّ يَرضى أَنْ يَعِيشَ عَصْرَ الجاهِليَّةِ تَحتَ رايةِ الاِِسلامِ.. ثُمَّ إنَّ أَباكَ فَضَحَ نَفْسَهُ حِينَ أَوْصى بالخِلافَةِ إِليكَ وَهْيَ بِحقٍ للاِِمامِ الحُسينِ عليه السلام .

وَضَعَ يَزِيدُ رَأْسَهَ بَينَ يَدَيهِ .. وَاستَغْرَقَ فِي تفكيرٍ عَمِيقٍ.. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُردِّدَاً: سَأَكْتُبُ إِلى والِي المدِينَةِ طالِباً مِنْهُ إرغامَ الحُسَيْنِ عَلى أَخْذِ البَيعةِ مِنْهُ.. نَعَمْ يَجِبُ إِرغامُ الحُسينِ عَلى البَيعةِ لِي..

* * *
ـ مَالِي والحسينَ بنَ فاطِمَةَ.. ؟!

قَالَها الوَليدُ بنُ عُتْبَةَ بِغَضَبٍ شَديدٍ بَعْدَ اَنْ تَسَلَّمَ كِتابَ يَزيدَ بنِ مُعاويةَ.. وَفِي هذِهِ الاََثناءِ تَعالَتْ قَهْقَهاتُ ضِحْكٍ صَدَرَتْ مِنْ خَبِيثٍ كانَ يَجلِسُ قُرْبَ الوَلِيدِ فِي مَجلِسِهِ وَهُوَ مَروانُ بنُ الحَكَمِ.. فَراحَ الوَليدُ يُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ قائِلاً : لا أَظنُّ أنَّ الحُسينَ سَيوافِقُ عَلى بيعةِ يَزيدَ .

فَردَّ عَليهِ مَروانُ : أَنا أَعلَمُ أَنّهُ لا يُجِيبُكَ عَلى بَيعةِ يَزِيدَ أَبداً.. ولاَ يَرى لَهُ طاعةً عَليهِ..

صَمَتَ مَروانُ بُرهةً.. ثُمَّ راحَ يُواصِلُ كَلامَهُ ، وَقَدْ ارتَسَمَ حِقْدَهُ وخُبْثَهُ عَلى مَلامِحِ وَجْهِهِ ، لَو كنتُ مَكانَكَ لَمْ أُراجِعَ الحُسينَ بِكَلِمَةٍ واحِدةٍ حَتّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعلَمَ بموتِ مُعاوِيةَ..

عَظُمَ كَلامُ مَروانَ عَلى قلبِ الوَليدِ.. فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلى الاََرضِ وَراحَ يَبْكِي بِصَمْتٍ وَهُوَ يُرَدِّدُ بِحرْقَةٍ وَأَلَمٍ : لَيتَ الوَليدُ لَمْ يُولَدْ.. وَلَمْ يَكُنْ شَيئاً مَذكوراً..

تَأَمَّلَ مَروانُ دُموعَ الوَليدِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلى كَلامِهِ.. فَراحَ يُكَلِّمَهُ بِهُدُوءٍ :

ـ أَيُّها الاََميرُ.. لا تَجزَعْ مِمّا ذَكَرتُ لَكَ.. إنَّ آلَ عليٍّ بنِ أَبي طالبٍ أَعداؤُنا مُنذُ القِدَمِ وَما يَزالونَ.. وإنْ لَمْ تُعالجْ أَمْرَ الحُسينِ.. فَسَوْفَ تَسقُطُ مَنْزِلَتُكَ مِنْ أَميرِ المؤمِنِينَ يَزيدَ..

فَصَرَخَ الوَليدُ بِوَجْهِ مَروانَ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ : ـ وَيْحَكَ دَعْنِي مِنْ كَلامِكَ هذا.. وأَحسِنْ القولَ فِي الحُسينِ بنِ فاطمةَ.. فَإِنَّهُ بَقِيةُ وُلْدِ النّبيّينَ..

* * *

بَعَثَ الوليدُ بنُ عُتْبةٍ فِي اسْتِأدعيةِ الاِِمامِ الحُسينِ عليه السلام وَقَدْ كَانَ الاِِمامُ يَعْلَمُ الاََمرَ الّذي مِنْ أَجلِهِ أَرسَلَ الوَليدُ فِي طَلَبِهِ.. وَهذا لاََِنَّهُ رأَى في رُؤياهُ كَأنَّ معاويةَ مَنكوسٌ على رأسِهِ.. وَالنّارُ تَشْتَعِلُ فِي بَيتِهِ.. فَعَلِمَ مِنْ ذلِكَ بِهَلاكِهِ.. والوليدُ الآنَ يُريدُ أَنْ يَأْخُذَ البَيعةَ مِنْهُ لِيزِيدَ..

اِغْتَسَلَ الاِمامُ عليه السلام وَصَلّى رَكعتَينِ ثُمَّ دَعا ربَّهُ بِما أَحَبَّ.. وأَرسَلَ فِي طَلَبِ فِتْيانِهِ وَمَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ.. فَأَعلَمَهُمْ بِشَأْنِهِ قائِلاً : لِيأْخُذْ كُلُّ مِنْكُمْ سَيفَهُ مَسلولاً تَحْتَ ثِيابِهِ.. وَكُونوا بِبابِ هذا الرجُلِ فَإِني ماضٍ إِليه ومُكَلِّمُه.. فَإِنْ سَمِعْتُمْ صَوتِي قَدْ عَلا مَعَ القَومِ..
وَصِحْتُ بِكُمْ يا آلَ الرَسُولِ.. إِقْتَحِمُوا البابَ بِغيرِ إِذْنٍ.. وَاشْهَرُوا السيُوفَ وَلا تَعْجِلُوا.. فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَا تَخْشَونَ ضَعُوا سِيوفَكُمْ فِيهِمْ.. وَاقْتَلُوا مَنْ أَرادَ قَتلِي..

* * *

خَرَجَ الحُسينُ عليه السلام مِنْ مَنْزِلِهِ.. وَمَعَهُ ثَلاثُونَ رَجُلاً مِنْ أَهلِ بَيْتِهِ وَمُوالِيهِ وَشِيعَتِهِ.. فَأَوقَفَهُمْ عَلى بابِ الوَليدِ قائِلاً لَهُمْ : ـ أُنْظُروا مَا أَوصَيْتُكُمْ بِهِ فَلا تَعِدُوه.. وأَنا أَرْجُو أَنْ أَخْرُجَ إَليكُمْ سالِماً إِن شاءَ اللهُ.. وَدَخَلَ عَلى الوَليدِ.. فَسَلَّمَ عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ : ـ كَيفَ أَصبَحَ الاََميرُ اليَومَ..؟ وَكَيفَ حَالُهُ..؟
فَرَدَّ عَليهِ الوَليدُ بنُ عُتبةَ رَدّاً حَسَناً.. وأَدناهُ منه فَأَجْلَسَهُ قُربَهُ.. وَمروانُ بنُ الحَكَمِ ـ ذلِكَ الخَبيثُ ـ كانَ جالِساً يَنْظُرُ إِليهِما.. فَسَأَلَ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام الوَليدَ عَنْ أَمر مُعاويةَ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعلَمْ مِنْ أَمرِهِ شَيئاً ،

هَلْ وَرَدَ عَلَيكُمْ خَبرٌ من مُعاويةَ.. ؟ إِنَّهُ كانَ عَليلاً وَقَدْ طالتْ عِلَّتُهُ.. فَكَيفَ حالُهُ الآنَ.. ؟

تَأَوَّهَ الوَليدُ.. وَتَنفَّسَ الصَّعداءَ.. ثُمَّ قَالَ للاِِمامِ الحسينِ عليه السلام : ـ يَا أَبا عبدِاللهِ.. لَقَدْ ذاقَ المَوتَ..

فقالَ الاِِمامُ الحُسينُ عليه السلام لِلوَلِيدِ : ـ إِنّا للهِ وَإِنّا إِليه راجِعونَ.. ولكنْ لِماذا دَعَوْتَني.. ؟

فَأَجابَ الوَليدُ : ـ دَعَوتُكَ للبَيعةِ الّتي اجْتَمَعَ الناسُ عَلَيْها..
فَقالَ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام : ـ أَيُّها الاََميرُ.. إِنَّ مِثْلِي لاَ يَعطِي بَيعَتَهُ سِرّاً.. وَإِنَّما يَجِبُ أَنْ تَكونَ البيعةُ عَلانيةً بِحَضْرَةِ الْجَماعَةِ.. فَإِذا دَعوتَ النّاسَ غَداً إلى البَيعةِ.. دَعَوتَنا مَعَهُمْ..

فَردَّ عليهِ الوليدُ : وَاللهِ لَقَدْ قُلتَ فَأَحْسَنْتَ.. وَهكَذا كانَ ظَنّي بِكَ .

وَهُنا قامَ مَروانُ صارِخاً بالوليدِ : أَيُّها الاَميرُ إنْ فارقَكَ الساعةَ ولم يُبايعْ.. فَإنّك لا تَقْدِرْ مِنْهُ عَلى مِثْلِها أَبداً.. فَاحْبِسْهُ عِنْدَكَ وَلاَ تَدَعْهُ يَخرجُ حَتّى يّبايعَ.. وَإنْ لَمْ يَفعلْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ..

فَقَالَ لَهُ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام : وَيْلِي عَليكَ يا ابن الزَرْقاءَ.. أَتأمُرُ بِضَربِ عُنُقِي..؟ كَذَبْتَ واللهِ ولَؤُمْتَ.. وَاللهِ لَوْ رامَ ذلِكَ أَحدٌ لَسقِيتُ الاََرضَ مِنْ دَمِهِ.. فَإِنْ شِئْتَ ذلِكَ فَرُمْ أَنتَ ضَربَ عُنُقِي إِنْ كُنتَ صادِقاً..

ثُمَّ التفتَ إلى الوليدِ قائلاً : أيُّها الاَمير.. إنّا أهلُ بيتِ النُّبوةِ.. ومَعدَنِ الرسالَةِ.. ومُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ.. وَمَهبطُ الرَّحمَةِ.. بِنا فَتَحَ اللهُ وبِنا خَتَمَ.. ويَزِيدُ رَجلٌ فاسقٌ.. شاربٌ للخَمْرِ.. قاتلٌ للنَّفسِ.. ومُعْلِنٌ للفِسقِ.. فَمِثْلِي لاَ يُبايِعُ مِثْلَهُ.. سنُصبحُ وتَصبَحُونَ.. وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرونَ أَيُّنا أَحقُّ بِالخِلافَةِ والبَيعَةِ..

وسَمَعَ الّذينَ عَلى البابِ صَوتَ الحُسينِ عليه السلام قَدْ عَلا.. فَهَمُّوا أَن يَقْتَحِمُوا عَلَيهِمْ المَكانَ بِسِيُوفِهم.. وَلكنَّهُمْ فُوجِئُوا بِالاِِمامِ الحُسينِ عليه السلام يَخْرُجُ إِليهِمْ.. فَأَمَرَهُمْ بِالاِِنْصِرافِ إِلى مَنازلِهِمْ..

وَبَعْدها قَالَ مروانُ بنُ الحكمِ مُعاتِباً الوليدَ : ـ إِنَّكَ عَصَيْتَنِي أَيُّها الاَميرُ حَتّى أَفلَتَ الحسينُ مِنْ يَدِكَ.. سَيَخْرُجُ عَليكَ وعَلى يَزِيدَ.. فَاعْلَم ذلِكَ..

فَقالَ لَهُ الوليدُ : وَيحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَشَرْتَ عَليَّ بِقَتْلِ الحُسينِ.. وَفِي قَتْلِهِ ذَهابُ دِيني ودُنيايَ.. وَاللهِ لاَ أُحِبُّ أَنْ أَمْلِكَ الدُنيا بِأَسْرِها.. شَرْقَها وَغَرْبَها.. إِزاءَ قَتْلِ الحسينِ بنِ فاطِمةَ.. وَما أَظُنُ أَحداً يَلْقِى اللهَ يَومَ القِيامةِ بِدمِهِ إِلاّ وَهُوَ خَفِيف المِيزانِ عِنْدَ اللهِ . لاَ يَنْظُرُ إِليهِ.. وَلاَ يُزَكِّيهِ.. وَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ..
* * *

أَصْبَحَ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام وإِذا بِمروانَ بنُ الحَكَمِ يَعتَرِضُهُ فِي طريقِهِ قائِلاً: أَبا عَبدِاللهِ.. إِنّي أُرشُدكَ إلى بَيعةِ يَزِيدَ فَإنّها خيرُ لَكَ فِي دِينِك ودُنياكَ..
فَاستَرْجَعَ الاِمامُ الحُسَينُ عليه السلام : إنّا للهِ وَإنّا إِليهِ راجِعونَ.. وعَلى الاِسلامِ السلامُ إِذا ابتُليتْ الاُمّةُ بِراعٍ مِثْلِ يَزِيدَ.. يَا مَروانُ أَتَرشُدُنِي لِبيعةِ يَزيدَ.. وَيَزِيدُ رَجلٌ فاسِقٌ ؟ لَقَدْ قُلتَ شَطَطاً وَزلَلاً.. وَلاَ أَلُومُكَ فَإنَّكَ اللّعينُ الّذِي لَعَنَكَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنْتَ في صُلْبِ أَبِيكَ الحَكَمِ بنِ العاصِ.. وَمَنْ لَعَنَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلا يُنْكَرُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُو لِبيعةِ يَزيدَ.. إِليكَ عَنّي ياعَدوَّ اللهِ.. فَإِنّا أَهلُ بيتِ رَسولِ اللهِ.. اَلحقُّ فِينا يَنْطِقُ على أَلسِنَتِنا.. وَقَدْ سَمِعْتُ جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : «الخِلافَةُ مُحرَّمَةٌ على آلِ أَبي سُفيانَ الطُلَقاءِ وأبناءِ الطُلَقاءِ.. فَإذا رَأَيتُمْ مُعاويةَ عَلى مَنْبَري فَأَبْقِرُوا بَطْنَهُ» . وَلَقَدْ رَآهُ أَهلُ المَدينةِ عَلى مَنْبَرِ الرَّسُولِ فَلَمْ يَفْعَلُوا بِهِ مَا أُمِروا.. فَابتَلاهُمْ اللهُ تَعالى بِابنِهِ يَزِيدَ..

فَقالَ مَروانُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ : وَاللهِ لا تُفارِقَنِي حَتّى تُبايعَ لِيزِيدَ صاغِراً.. فَإنّكُمْ آلُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ مَلَئْتُمْ شَحناءً.. وشَرِبْتُم بُغضَ آلَ أبي سفيانَ.. فحَقَّ لَهُمْ بُغْضَكُمْ..

فَقالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام : إليكَ عَنّي فَإنَّكَ رِجْسٌ.. وَإنّي من أَهلِ بيتِ الطهارَةِ.. قَدْ أَنزَلَ اللهُ فِينا : ـ ( إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهبَ عَنْكُمُ الرِجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهِيرا..) (1).

فَنَكّسَ مروانُ رَأسَهُ.. وَلَمْ يَنْطِقُ بِكلمةٍ واحدةٍ.. حَتّى قَالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام : أَبْشِرْ يَا ابن الزَّرقاءَ بِكُلِّ ما تَكْرَهُ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يومَ تَقْدِمُ علَى رَبِّكَ.. فَيسأَلَكَ جَدّي عَنْ حَقّي..

فَمضى مروانُ إلى الوليدِ.. وأَخبَرَهُ بِما قَالَهُ الحُسينُ عليه السلام . فَبعثَ الوَليدُ بِثلاثِينَ رَجُلاً فِي طَلَبِهِ.. فَلَمْ يَقْدِروا عَليهِ.. فَكَتَبَ الوليدُ إلى يَزِيدَ.. يُخْبِرَهُ بِأَمرِ الحُسَينِ عليه السلام بِأَنَّهُ لاَ يَرى عَليْهِ طَاعةً وَلا بَيعةً..
* * *

بَعْدَ أَنْ وَصَلَ كِتابُ الوَلِيدُ إِلى يَزيدَ..
غَضِبَ غَضَبَاً شَدِيدَاً.. فَكَتَبَ إِليهِ كِتاباً يَطْلِبُ فِيهِ رَأْسَ الحُسينِ بنِ عَليٍّ عليه السلام وَيُمنِّيهِ بِجائِزَةٍ عَظِيمَةٍ..

فَأَعْظَمَ الوَلِيدُ ذلِكَ قائِلاً : ـ وَاللهِ.. لاَ يَراني اللهُ وأَنَا قاتِلُ الحُسَينِ ابنِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .. وَلَوْ جَعَلَ لِي يَزيدُ الدُنيا وَما فِيها..

* * *

خَرَجَ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام لَيلاً إلى قَبْرِ جَدِّهِ الرَّسُول صلى الله عليه وآله وسلم فَصلّى هُناكَ.. وَلمّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ جَعَلَ يَدعُو قائِلاً : اللّهُمَّ إِنَّ هذا قبرُ نبيُّك محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا ابنُ بِنتِ نَبيِكَ.. وَقَدْ حَضَرَني مِنَ الاََمرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ.. اللّهُمَّ إِنّي أُحِبُّ المَعرُوفَ وأَكرَهُ المُنْكَرَ.. وَإِنّي أَسألُكَ يا ذا الجَلالِ والاِِكرامِ بِحَقِّ هذا القَبرِ وَمَنْ فِيهِ.. اِختَرْ لِي مِنْ أَمريَ مَا هُوَ لَكَ رِضىً.. ولِرَسُولِكَ رِضىً.. وَللمؤمنينَ رِضىً..
ثُمَّ جَعَلَ يَبكي حَتّى صارَ قريباً مِنَ الفَجْرِ.. وَضَعَ رَأْسَهُ على القبرِ فَأَخَذَتْهُ إِغفاءةٌ.. وَإِذا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبلَ عَلَيه بَين كَتِيبةٍ مِنَ المَلائِكَةِ.. فَضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ.. وَقَبَّلَه بِينِ عَيْنَيهِ.. ثُمَّ قالَ لَهُ : ـ حَبيبي ياحسينُ.. كَأَنِّي أَراكَ عَنْ قَرِيبٍ مُرَمَّلاً بِدِمائِكَ.. مَذبوحاً بأَرضِ كَربلاءِ.. بَينَ عِصابَةٍ مِنْ أُمَّتي.. وَاَنْتَ عَطْشانٌ لاَتُسْقى.. وظَمآن لا تُروى.. حَبيبي يا حسينُ.. إِنَّ اُمَّكَ وَأَباكَ وأَخاكَ قَدِمُوا عَليَّ.. وهُمْ إِليكَ مُشتاقُونَ.. وَإِنَّ لَكَ في الْجنَّةِ دَرجاتٍ لا تَنالُها إلاّ بالشهادةِ..
إِذَنْ.. فَقَدْ حَانَ الوَقْتُ الّذي كانَ يَنْتَظِرُه مُنْذُ نُعومَةِ أَظفارِهِ.. حِينَ تَقَدَّمَ مِنْ اُمِّهِ الزهراءَ عليها السلام يسأَلُها بِحزْنٍ شَدِيدٍ : لِمَ يُقَبِّلُني جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ نَحْرِي دونَ فَمِي..؟! وراحتْ دُمُوعُهُ تَسيلُ عَلى وَجْنَتَيِه.. فَما كانَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءِ عليها السلام إِلاّ أَنْ تَتَقَدَّمَ بِالسؤالِ إِلى أَبِيها رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .. فَأَعلَمَها بِما سَيَجْري عَلى وَلَدِها الحُسين عليه السلام ..

لَقَدْ نَزَلَ الاََمينُ جِبرَئِيلُ وَأَعْطَى لِرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم زُجَاجَةَ تُرابٍ مِنْ أَرضِ كَربلاءَ.. وَقَدْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الاِمامَ الحُسينَ عليه السلام سَيُقْتَلُ فِي هذِهِ الاََرضِ.. وَعِنْدَ شَهادَتِهِ سَيَصيرُ هذا التُرابُ دَماً.. فَما كَانَ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنْ يَضَعَ هذِهِ الزُجَاجَةَ أَمانَةً بَينَ يَدَي زَوجَتِهِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ سَلَمةَ وَهُوَ يُعلِمُهَا بِما سَيَحْصُلُ مِنْ أَمرِ الزُجاجَةِ وَأَمَرِ الاِمامِ الحسينِ عليه السلام ؛ لِذلِكَ أَوصَى الاِمامُ الحسينُ عليه السلام أَخاهُ محمدَ بنَ الحنفيةِ قَبْلَ رَحِيلِهِ قائِلاً : أَنا عازِمٌ عَلى الخروجِ إِلى مَكَةَ.. وَقَدْ تَهيّأتُ لِذلِكَ أَنا وإخوَتِي وَبَنُو أَخي وَشِيعَتِي مِمَّنْ أَمرُهُمْ أَمري.. ورَأَيُهم رَأْيي.. وَأَمّا أَنْتَ يا أَخي عَليكَ أَنْ تُقِيمَ في المدينةِ.. فَتَكونَ لِي عَيناً عَلَيْهِمْ.. وَلا تُخفِ عَليَّ شَيئاً مِنْ أُمورِهِمْ..

* * *
عَلِمَتْ اُمُّ المؤمنينَ اُمُّ سَلَمَةَ بِأَمْرِ الاِمامِ الحُسينِ عليه السلام فَتَذَكَّرَتْ شَيئاً مَضى عَلَيهِ سَنَواتٌ طَويلةٌ.. زُجاجةُ تُرابٍ وَضَعَهَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمانَةً عِنْدَها.. فَبَعَثَتْ إِلى الاِمامِ الحُسينِ عليه السلام تُخْبِرُهُ : إِنّي أذكُرُكَ اللهَ يا وَلدِي أَنْ لا تَخْرُجْ.. فَقَدْ قَالَ لِي
رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُقتَلُ الحُسينُ ابني بالعراقِ.. وأَعطانِي مِنَ التُربَةِ قارُورَةً.. أَمَرَني بِحفْظِها.. ومُراعاةِ ما فِيها..

فَبَعثَ إِليها : وَاللهِ يا اُمّاهُ إِنّي لَمقتُولٌ لاَ مَحالةَ.. فَأَينَ المَفَرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ المقْدُورِ..؟ مَا مِنْ الموتِ بُدٌّ.. وَإِنّي لاََعرفُ اليومَ وَالساعةَ والمَكانَ الّذي اُقْتَلُ فِيهِ.. أَعْرِفُ مَكانِي وَمصْرَعِي والبُقعَةَ الّتِي أُدْفَنُ فِيها كَما أَعرفُكِ.. فَإنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُريكِ مَضْجَعِي.. وَمَضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعِي.. فَعلتُ ذلِكَ..

فَحَضَرتْ اِليهِ قَائلةً : ـ قَدْ شِئْتُ ذلِكَ..

فَتَكَلَّمَ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام بِاسْمِ اللهِ الاَعظمِ.. فَتَخَفَّضَتْ الاََرضُ حَتّى أَراهَا مَضْجَعَهُ.. وَمضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعَهُ.. وأَعْطاها مِنَ التُربَةِ شَيْئاً فَخَلَطَتْهُ بِما كانَ مَعَها فِي تِلْكَ الزُجَاجَةِ.. ثُمَّ قالَ لَها : ـ إِنّي اُقْتَلُ فِي يومِ عاشوراءَ.. وَهُوَ اليومُ العاشِرُ مِنْ مُحرَّمِ بَعدَ صَلاةِ الزَوالِ.. فَعَلَيكِ السَّلامُ ياأُماهُ.. وَرَضِيَ اللهُ عَنْكِ بِرضانا عَنْكِ..

* * *

جَمَعَ الاِِمامُ الحُسينُ عليه السلام أصحابه الذِينَ عَزَمُوا عَلى الخُروجِ مَعَهُ إِلى العراقِ.. فَأَعطى كُلَّ واحدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ دَنانيرَ وَجَمَلاً يَحمِلُ عَلَيهِ رَحْلَهُ وَزادَهُ.. ثُمَّ طَافَ بِالبيتِ.. وَسَعى بَينَ الصّفا والمَروَةِ.. وَبَعدَها تَهيّأَ لِلخروجِ فَحَمَلَ بَناتَهُ وأَخواتَهُ عَلى الَمحمَلِ.. وَخَرجَ مِنْ مَكةَ يَومَ الثُلاثاءِ.. يَومَ التَروِيَةِ لِثمانٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الحَجّةِ.. وَمَعَهُ اثنانٍ وَثَمانُونَ رَجُلاً مِنْ شِيعَتِهِ ومَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ مُتَوجِّهاً إلى العراقِ.. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَجْنِي مِنْ ثَورَتِهِ هذهِ نَصراً ماديّاً ظاهريّاً.. بَلْ سَوفَ يُسْتَشْهَدُ هُوَ وَأَولادُهُ وَأَصحابُهُ وإِخوَتُهُ.. وَسَتُسْبى نِساؤُهُ.. فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام بِهذا إِحياءَ الرسالةِ الُمحمّدِيةِ.. ؟! نَعَمْ إِنَّ وَضْعَ الُمجتَمعِ الاِِسلاميِّ فِي مِثْلِ هذِهِ الظُروفِ كانَ يَتَطَلَّبُ القيامَ بِعَمَلٍ استِشهادِيٍّ فَاجِعٍ يُلْهَبُ الروحَ الجِهادِيَّةَ فِي هذا المجتَمَعِ.. وَيَتَضَمَّنُ أَسْمى مَراتبِ التضْحِيَةِ فِي سَبيلِ هذا المبدأ.. كَي يَكونُ مَناراً لِجَمِيعِ الثائِرينَ حِينَ تَلُوحُ لَهُمْ وَعَورَةُ الطَريقِ.. وتَضَمَحِلّ أَمامَهُمْ احتِمالاتُ الفَوزِ.. لِذلِكَ شَيَّعَ الاِمامُ الحسينُ عليه السلام خُرُوجَهُ إلى مَعْركَةِ الطَفِ بِكَلِماتِهِ الخالِدةِ : « لَمْ أخرجْ أشِراً ولا بَطِراً.. وَلا مُفسِداً ولا ظالِماً.. وإنّما خَرَجْتُ لطلبِ الاصلاحِ فِي اُمَّةِ جَدّي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم».

* * *

وَيَأْتِي يومُ العاشرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. وَالاِِمامُ الحسينُ عليه السلام فِي ساحةِ المَعْرَكَةِ بِأَرضِ كَربلاءَ يُعاني آلاماً وَرَزايا لَمْ يَشْهَدُ لَهُما التاريخُ مَثِيلاً.. فَفِي الخيامِ نِساؤُهُ وأَطفالُهُ يَمُوتُونَ عَطَشاً وَهُمْ يَحلَمُونَ بِقَطرةِ ماءٍ.. وَفِي ساحَةِ المعْرَكَةِ سَقَطَ شَهِيداً أَخُوه أَبو الفضلِ العبّاسُ وَهُوَ مَقطوعُ الكَفَينِ عَلى شاطِىءِ الفُراتِ فِي مُحاولةٍ مِنْهُ لِجَلٌبِ الماءِ إِلى النِساءِ والاََطفالِ.. واستُشْهِدَ ابنُهُ عليٌّ الاَكبرَ.. والقاسمُ بنُ الحَسَنِ عليه السلام . وأَصحابُهُ الّذينَ آثَروا البَقاءَ مَعَهُ.. والاََفْجَعُ مِنْ هذا هُوَ اسْتِشهادُ وَلَدِهِ عَبدِاللهِ

الرَضيعِ الّذي لَمْ يَتَجاوَزَ عُمْرُهُ بِضْعَةَ شُهورٍ.. كانَ قَد جَفَّ اللّبَنُ فِي صَدْرِ اُمِّهِ الرَّباب.. فَحَمَلَهُ الاِِمامُ الحُسَينُ عليه السلام بَينَ يَدَيْهِ.. وَوَقَفَ بِهِ أَمامَ الاََعداءِ مُخاطِباً إِياهُمْ: أَنْتُمْ تُقاتِلُونِي وأُقاتِلُكُمْ.. فَما ذَنْبُ هذا الطفلِ الرَّضِيعِ يُعانِي مِنْ شِدَةِ الظَمَأَ.. ؟ خُذُوهُ أَنْتُمْ مِنّي.. واسْقُوهُ جُرْعَةَ ماءٍ.. فَأَجابُوهُ بِسَهْمٍ أَطْلَقَهُ مُجْرِمٌ مِنْهُمْ يُدعى حَرْمَلَةَ بنَ كاهلٍ نَحوَ عُنُقِ الرَّضِيعِ.. فَذَبَحَهُ مِنَ الوَريدِ إِلى الوَرِيدِ..

فَيا أَيُّها الناسُ أَيُّ قلبٍ وعقلٍ يَستطيعانِ أَن يَصْمُدا أمامَ مُصيبةٍ كَهذِهِ.. ؟!! وَرَغْمَ كلِّ مَا نَزَلَ بالامامِ الحُسَينِ عليه السلام مِنْ آلامِ المَصائِبِ المُفْجَعاتِ الّتي استَنْزَفَتْ جَمِيعَ قِواهُ إِلى جانِبِ ذلِكَ الظمأَ الشَدِيدِ الّذِي جَعَلَ لِسَانَهُ كَالخَشَبَةِ اليابِسَةِ.. إِلاّ أَنَّهُ شَهَرَ سَيْفَهُ وَنَزَلَ لِمواجَهَةِ الاََعداءِ وَحَمَلَ عَليهم حَملاتٍ مَشهودةً فَما لَبِثَ أنْ رَماهُ أَحدُهُمْ بِحَجَرٍ عَلى جَبْهَتِهِ فَجَعَلَ الدَّمَ يَسِيلُ عَلى عَيْنَيهِ وَوَجْهِهِ.. وبَينما هُوَ يُحاوِلُ مَسْحَ الدَّمَ رَماهُ آخَرُ بسَهْمٍ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ.. فَخَرَقَ السَّهْمُ قلبَ الاِمامِ الحُسينِ عليه السلام وَجَعَلَ الدَّمَ يَتَدَفَّقَ بِغَزارَةٍ.. وَعِنْدَها راحَ الاِمامُ يُلَطِّخُ وَجْهَهُ ولِحْيَتَهُ بالدِّماءِ الطاهِرَةِ قائِلاً : « هوّن عليّ ما نزل بي إنّه بِعينِ الله..
هكذا أكونُ حَتَّى اَلقى جَدّي رَسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم واَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمِي.. فَأَقولُ لَهُ : قَتَلَنِي فلانُ.. وفلانُ..»

وَيومَها كانَتْ اُمُّ المؤمِنِينَ اُمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّقُ بِكُلِّ لَوعةٍ وأَلَمٍ في زُجاجَةِ التُرابِ.. وَإِذا بِها فَجأَةً..!! تَتَحَوَّلُ إلى دَمٍ أَحْمَرٍ.. لَقَدْ اسْتُشْهِدَ الاِمامُ الحُسينُ عليه السلام مِنْ أَجْلِ إِحياءِ الرِّسالَةِ المحمَّدِيةِ.. وَبِهذِهِ الفاجِعَةِ الّتِي سَتَهِزُّ ضَمِيرَ الُمجْتَمعِ الاِِسلاميِّ وَتُشَكّلُ انفِعالاً عَمِيقاً يَغْمُرُ النَّفْسَ فَيَدْفَعَها إلى الثَّورَةِ مِنْ أَجْلِ كَرامَتِها... ويَبعَثُ فِي الروحِ الهامدةِ جُذْوَةً جَدِيدةً لا يَخْمِدُ أَوارُها عَلى مَرِّ الاََعوامِ والقُرونِ..

* * *

فَلَمْ تَكُنْ واقِعَةُ الطفِ قَضِيَّةً مَأْساوِيَةً عابِرَةً حَدَثَتْ في مَرحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ التارِيخِ فَحَسْبُ.. وَإِنَّما هِيَ صُورةٌ متكاملةٌ لِتَجْسِيدِ الصّراعِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ..
صورةٌ واقِعِيةٌ تَنْبُضُ بِالحَياةِ تُشَكِّلُ قَلْبَ التارِيخِ الاِِسلاميِّ . فَلَولاها لَماتَ ذلِكَ التارِيخُ.. هِيَ صَرْخَةٌ تَتَعالى فِي ضَمِيرِ الاِِنسانِيةِ كُلّما أَسْدَلَ التاريخُ سَتَائِرَهُ ، يَظْهَرُ أَمامَ العالَمِ جَسَدَ الاِمامِ الحُسَينِ عليه السلام مُضَرَّجاً بِدِمائِهِ يَجْثُمُ فَوْقَهُ اللّعينُ (شِمْرٌ بنُ ذِي الجَوشَن) وَهُوَ يَحِزُّ رَأسَهُ الشَّرِيفَ بالسّيفِ وَمِنْ حَولِهِ آخَرُونَ . مِنْهُمْ مَنْ يَسْلِبُهُ عِمَامَتَهُ ، ومِنْهُمْ مَن يَسْلبُهُ سَيْفَهُ.. ومِنْهُمْ مَنْ يَسْلُبُهُ ثَوْبَهُ.. وَمِنْهُمْ يُحاوِلُ سَلْبَ خَاتِمَهُ فَلَمْ يَستَطِعِ انْتِزاعَهُ فَيَقْطَعَ إِصْبَعَ الاِمامِ عليه السلام لِيَحْصُلَ عَلى ذلِكَ الخاتَمِ.. ويُحارُ المرءُ بَينَ أَنْ يُحَدِّقَ فِي هذا المَنْظَرِ أَو في المنظرِ الّذي خَلْفَه.. وَمَاذا خَلْفَ جَسَدِ

قصة فاطمة الزهراء(ع)

نُورُ الزَّاهِرُء

كأنَّها كانَتْ تَشْعُرُ بما حَصَلَ لاَُمِّها من مقاطعةِ نِساءِ مكّةَ لَها.. بَل حتّى قَرِيباتِها لم يَعُدْنَ يَسألْنَ عَنْها أو يَتَفَقَّدْنَ أَحْوالَها.. لِذلِكَ فَهيَ وحيدةٌ في بيتِها.. لا أنيسَ لها أثناءَ غيابِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْها.. نَعَمْ كانتْ تَشْعُرُ بِما حَصَلَ لاَُمِّها بسببِ زَواجِها مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم رَغمَ أنَّها ما تَزالُ في ظُلمَةِ

أَحشائِها.. لِذلِكَ رَأتْ مِن واجبها أن تُسلّيها بالحَديثِ مَعَها.. فَأشْرَقَتْ على وجهِ خديجةَ ابتسامَةُ فَرَحٍ بَعْدَ أنْ غَمَرَتْ قَلْبَها سعادةٌ لم تَكُنْ تَشْعُرُ بِها أثناءَ وَحدَتِها..

ـ خديجةُ.. !! مَعَ مَنْ تَتَحدَّثِينَ.. ؟

قَالَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُندَهِشاً بعدَ أنْ رأى خديجةَ تُتَمْتِمُ فَرِحةً وكَأنَّها تُكلِّمُ شَخصاً أمامَها.. فقالتْ لهُ : ـ يا رسولَ اللهِ.. الجنينُ الّذي في بَطني يُحدِّثُني.. فَتُؤنِسُني عُذوبَةُ حديثِهِ..

في هذِهِ الأثناءِ.. نَزَلَ الاَمينُ جبرائيلُ عليه السلام .. وَهَمَسَ في أُذُنِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِمّا جَعَلَهُ يَبتَسِمُ فَرِحاً وهو ينقُلُ كلامَ جِبرائيلَ عليه السلام إلى زوجتِهِ خديجةَ قائلاً : ـ ياخديجةُ.. إنّها ابنَتي.. نَسمةٌ طاهرةٌ مطهّرةٌ.. وَقَدْ أمرَني اللهُ تعالى أنْ أُسمِّيها فاطمةَ.. وَسَيَجعَلُ من ذُرِّيَتها أئمّةً يُهتَدى بِهم..
مِمّا جعلَ فرْحةَ خَديجةَ تَتَعاظَمُ فملإتْ آفاقَها سعادةً عَوّضَتْها عَنْ حِرمانِ مُقاطَعةِ النِّساءِ لَها..
* * *
تمرُّ لحظاتُ الولادةِ.. وخديجةُ وحيدةٌ لا تُوجَدُ امرأةٌ قُربَها.. ممّا اضطرَّها أنّ تُرسِلَ إلى قريباتِها مِنْ نِساءِ مَكّةَ.. وراحتْ تَنْتَظِرُ حتّى أتاها جَوابهُنَّ : ـ ياخديجةُ.. أنتِ عَصَيتِنا.. وَلَمْ تَقْبَلي مِنّا قولَنا.. فَتزوّجْتِ ذلِكَ الفقيرَ الذي لامالَ لَهُ.. لِذلِكَ لَنْ نَجِيءَ إليكِ..

فَاغْتَمَّتْ خَديجةُ لِذلِكَ غَمّاً شديداً.. وَبَينَما هِي كَذلِكَ وَإذا بِها تَتَفاجَأُ بأربعِ نِساءٍ يَدْخُلْنَ عَليها.. كَأنَّهُنَّ مِنْ نِساءِ قُريشٍ.. فَقالتْ إحدَاهُنَّ : يا خديجةُ لاتَحْزَني.. لَقَدْ بَعَثَنَا اللهُ تَعالى إليكِ.. لِمُساعَدَتِكِ .

كانَتْ تِلكَ المرأةُ هي آسيةُ بنتُ مُزاحمٍ.. وَمَعَها مريمُ بنتُ عِمرانَ وسارةُ زوجةُ ابراهيمَ عليه السلام وصفراءُ بنتُ شُعيبٍ.. فَجَلَسْنَ حَولَها.. وقُمنَ بِواجِبِهِنَّ حَتّى وَضَعتْ فاطمةَ عليها السلام كما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم طاهرةً مطهّرةً.. تَلَقّتْها إحداهُنَّ.. فَغَسَلَتْها بِماءِ
تمرُّ لحظاتُ الولادةِ.. وخديجةُ وحيدةٌ لا تُوجَدُ امرأةٌ قُربَها.. ممّا اضطرَّها أنّ تُرسِلَ إلى قريباتِها مِنْ نِساءِ مَكّةَ.. وراحتْ تَنْتَظِرُ حتّى أتاها جَوابهُنَّ : ـ ياخديجةُ.. أنتِ عَصَيتِنا.. وَلَمْ تَقْبَلي مِنّا قولَنا.. فَتزوّجْتِ ذلِكَ الفقيرَ الذي لامالَ لَهُ.. لِذلِكَ لَنْ نَجِيءَ إليكِ..

فَاغْتَمَّتْ خَديجةُ لِذلِكَ غَمّاً شديداً.. وَبَينَما هِي كَذلِكَ وَإذا بِها تَتَفاجَأُ بأربعِ نِساءٍ يَدْخُلْنَ عَليها.. كَأنَّهُنَّ مِنْ نِساءِ قُريشٍ.. فَقالتْ إحدَاهُنَّ : يا خديجةُ لاتَحْزَني.. لَقَدْ بَعَثَنَا اللهُ تَعالى إليكِ.. لِمُساعَدَتِكِ .

كانَتْ تِلكَ المرأةُ هي آسيةُ بنتُ مُزاحمٍ.. وَمَعَها مريمُ بنتُ عِمرانَ وسارةُ زوجةُ ابراهيمَ عليه السلام وصفراءُ بنتُ شُعيبٍ.. فَجَلَسْنَ حَولَها.. وقُمنَ بِواجِبِهِنَّ حَتّى وَضَعتْ فاطمةَ عليها السلام كما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم طاهرةً مطهّرةً.. تَلَقّتْها إحداهُنَّ.. فَغَسَلَتْها بِماءِ
الكَوثرِ ونَشَّفتْها.. ثُمَ أخرَجَتْ مِنَ القماشِ قِطْعَتَينِ بَيضاوَتينِ أشدَّ بَياضاً مِنَ اللَّبَنِ.. وأطيبَ رائحةً مِنَ المِسكِ والعَنبَرِ.. فَلَفَّتْها بواحدةٍ.. وقَنّعتْها بالثانيةِ.. ثُمَّ استَنطَقَتْها ، فَنَطَقَتْ فاطِمَةُ عليها السلام بالشَهادةِ قائِلةً : أشهدُ أن لا إلهَ إلاّ اللهُ.. وأنّ أبيَ محمّداً رسولُ اللهِ.. وأنَّ عليّاً سَيّدُ الاَوصياءِ.. ووُلْدي سادةُ الاَسباطِ..

ثُمَّ سَلَّمَتْ على كلِّ واحدةٍ منهنَّ باسمِها.. فَأقْبَلْنَ عَلَيها ضاحكاتٍ.. ثُمَّ عَرَجْنَ إلى السَّماءِ... بَعدَ أنْ تَناولَتْها خديجةُ فَرِحةً بها مستبشرةً.. فَوضَعَتْها في حِجْرِها.. وألقَمَتْها ثَدْيَها فَدَرَّ عليها لَبناً.. وما أسْرعَ ما لُقِّبَتْ فاطمةُ عليها السلام بالزهراءِ.. ففي ولادَتِها أزهَرَتْ الاَرضُ.. وأشْرَقَتْ الفَلَواتُ.. وأنارَتْ الجبالُ والربواتُ.. وَهَبَطَتْ الملائكةُ إلى الاَرضِ.. فَنَشَرَتْ أجنِحَتَها في المشرِقِ والمغرِبِ.. وضَرَبَتْ عليها سُرادِقُ البَهاءِ.. وغَشيَ أهلَ مَكّةَ ماغَشِيَهُمْ مِنَ النّورِ..
دَخَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم على خديجةَ فَرِحاً مُسْتَبشِراً وهو يقولُ لَها : ياخديجةُ لا تَحزَني إنْ كانَ قَدْ هَجَرَكِ نساءُ مَكّةَ.. وَلَنْ يَدْخُلْنَ عَليكِ.. فها أنا أرى الحور يَنْزِلْنَ مِنَ السماءِ عَطِراتٍ.. يَشُعُّ مِنْهُنَّ نورٌ يَلْتَهِبُ التِهاباً.. وتَفُوحُ مِنهُنَّ رائحةٌ تَسُرُّ أهلَ مَكّةَ جَميعاً.. سَلَّمْنَ فأحْسَنَّ..

وحيَّيْنَ فأَبلغْنَ.. بَعَثَهُنَّ اللهُ تَعالى لِيصبَحنَ في خدمةِ خديجةَ وابنَتِها فاطمةَ الزهراءَ عليها السلام .. بَعْدَ أنْ استَبشَرَتِ الحورُ العِينُ.. وبَشَّرَ أهلُ السماواتِ بعضُهم بَعضَاً.. بولادةِ فاطمةَ الزهراءَ عليها السلام فَقَدْ حَدَثَ في السماءِ نورٌ زاهرٌ لَمْ ترَ مِثلَهُ الملائِكةُ مِنْ قبلُ..

* * *
مَرَّتِ الاَعوامُ.. وفاطمةُ الزهراءُ عليها السلام تَنْمُو في اليومِ كَما يَنْمُو غيرُها في شهرٍ.. وَتَنْمُو في الشَّهرِ كَما يَنْمُو غَيرُها في سنةٍ.. إلى أنْ جاءَ ذلِكَ اليومُ الَّذي كانَ فيه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم جالساً مع أصحابِهِ في المسْجِدِ وَبِصُحبَتِهِ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام .. إذْ هَبَطَ مِنَ السّماءِ مَلَكٌ على هَيئةٍ لَم يألَفْها الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ قبلُ إذْ ظنَّهُ جبرائِيلَ.. وهَمَّ يُقبِّلُ رأسَهُ.. فقالَ لَهُ المَلَكُ : ـ مَهْ يا أحمد(1)أنتَ أكرَمُ عِنْدَ اللهِ تَعالى من أهلِ السماواتِ وأهلِ الاَرضِ أجمعينَ..

فَقَامَ الملَكُ بِتَقبِيلِ رأسِ الرسولِ صلى الله عليه وآله وسلم ويَدَهُ.. وفي أثْناءِ ذلِكَ قالَ لَهُ الرَّسُولُ: ـ حَبيبي جبرائيلُ.. ما هذِهِ الصورةُ التي لَمْ تَهبِطْ عليَّ بِمثلِها.. ؟!

فَقَالَ الملَكُ: ـ ما أنا بِجبرائيلُ.. لكنّي مَلَكٌ يَقالُ لِي محمودٌ.. وبَينَ كَتْفَيَّ مكتوبٌ لا إلهَ إلاّ اللهُ.. محمّدٌ رسولُ اللهِ.. علي ولي الله.

وفي هذهِ الاَثناءِ نَزَلَ مِنَ السّماءِ جِبرائيلُ ، ومِيكائيلُ ، واسرافيلُ.. وَسبعونَ ألفاً مِنَ الملائكةِ قَدْ حَضَروا مَعَهُمْ.. بَينما كان المَلكُ محمودُ يقولُ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم : ـ بَعَثَني اللهُ تعالى لاَُزوِّجَ النورَ مِنَ النّورِ..

فقالَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم : ـ والنورُ..

فَأجابَهُ محمودٌ : ـ فاطمةَ من عليٍّ عليه السلام .

فَالْتَفَتَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى عليٍّ بنِ أبي طالبٍ عليه السلام وَهُوَ يقولُ لَهُ : ـ قَدْ زَوَّجْتُكَ على ما زَوَّجكَ اللهُ مِنْ فوقِ سَبعِ سماواتٍ.. فَخُذْها إليكَ..

ثمَّ التَفتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى محمودٍ قائلاً لَهُ : ـ مُنذُ متى كُتِبَ هذا بينَ كَتْفَيكَ.. ؟ فقال محمودٌ : ـ مِن قبلِ أنْ يَخلُقَ اللهُ آدم بألفَي عامٍ..

ثُمَّ ناولَ جِبرائيلُ النبيَّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم قَدَحاً فيهِ طيبٌ مِنْ طِيبِ الجْنَّةِ وَهُوَ يَقولُ: ـ يا حَبيبي يا محمّدُ مُرْ فاطمةَ أنْ تُدهِنَ رَأسَها وَبَدَنَها مِنْ هذا الطيبِ..

فَصارتْ فاطمةُ الزهراءُ عليها السلام كلَّما مَرَّرَتْ يَدَها على رأسِها أو بَدنِها.. شَمَّ أهلُ المدينةِ رائحةَ ذلِكَ الطيبِ..

* * *
كانَتْ فاطمةُ الزهراءُ عليها السلام دائماً تَشْتَغِلُ بالعبادةِ وفي إحدى لَيالي الجُمَعِ وَهيَ مشغولةٌ.. كانَ وَلَدُها الاِمامُ الحسنُ عليه السلام يُراقِبُها وهيَ في مِحرابِها راكعةٌ.. ساجدةٌ.. ثُمَّ راحَ يَتأمَّلُها وَهيَ تَدعُو إلى جميعِ النساءِ.. والرّجالِ.. والاَطفالِ مِنَ الجيرانِ الّذينَ يَسكُنونَ حَولَ بَيتِها الشريفِ.. وَمَضَتْ ساعاتُ اللّيلِ شَيئاً فَشَيئاً.. حتّى بَزَغَ الفَجْرُ..


والاِمامُ الحسنُ عليه السلام يَتَأمَّلُ أُمَّهُ فاطمةَ الزهراءَ عليها السلام وكأنَّهُ يَنْتَظِرُ مِنْها شَيئاً.. يا تُرى مَاذا كانَ يَنتظِرُ الاِمامُ الحسنُ عليه السلام ؟! وحِينَ انتهتْ فاطمةُ الزهراءُ عليها السلام من عبادَتِها ودُعائِها.. بادَرَها الاِمامُ الحسنُ عليه السلام سائلاً : ـ لِمَ لَمْ تَدعِ لِنَفْسِكِ يا أمّاهُ.. كما دعوتِ لغَيرِكِ..؟
فأجابَتْ فاطمةُ الزهراءُ عليها السلام وَلدَها قائلةً : ـ يا بُنيَّ.. الجارُ ثُمَّ الدارُ..

هَكذا كانت بَضْعَةُ المصطفى عليها السلام تَهْتَمُّ بِأُمورِ المُسلمينَ وتَحرِصُ على طَلَبِ الخَيرِ
والسعادةِ لَهُمْ ، ولكنْ ما إنْ انتَقَلَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرّفِيقِ الاَعْلى حتّى صُبَّتْ عَليها المصائِبُ ، وتَعَرَّضَتْ للظُلْمِ الفادِحِ والاَذى الكبيرِ مِنْ لَدُنِ السُلطةِ الحاكمةِ، فَعاشَتْ الحُزْنَ واللّوعَةَ إلى أنْ قَضَتْ نَحبَها صابِرَةً مَظلومَةً مُحتَسِبَةً وَلَحِقَتْ بأبِيها رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَهيَ تَشْكُو إليهِ ما لَقَتْهُ مِنْ ظُلمٍ وآلامٍ ، وَدُفِنَتْ لَيْلاً ، وَلَمْ يُعرَفْ قَبْرُها ، وتِلكَ هيَ الظُلامَةُ الكُبرى .
لَقد عاشتْ عليها السلام والرسولُ يَدعوها (أُمُّ أبيها) ، وحَسْبُ الزهراءِ البتولِ مِنْ ظُلمَها قَوْلُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِيها : «فاطمةُ بَضْعَةٌ مِنّي مَنْ آذاها فَقدْ آذاني» .

قصة امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه

كانَ يَجْلِسُ بَيْنَ أربَعِينَ رَجُلاً مِنْ رِجَالِ العَشِيرَةِ.. يَسْتَمِعُونَ إلى كَلامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَعْدَ أنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ الشَرِيفَةُ : (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) (1).

حِينَ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ صلى الله عليه وآله وسلم : ـ إنِّي أدْعُوكُمْ إلى كَلِمَتَينِ خَفيفَتَينِ على اللِّسانِ.. ثَقِيلَتَيْنِ في المِيزانِ.. تَمْلِكُونَ بِهِما العَرَبَ وَالعَجَمَ.. وَتَنْقادُ لَكُمُ الاَُمَمُ.. وتَدْخُلُونَ بِهِمِا الجنَّةَ.. وتَنْجَونَ بِهِما مِنَ النّارِ.. وهُمَا شَهادَةُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وأنّي رَسُولُ اللهِ.. فَمَنْ يُجِيبَني إلى هذا الاَمرِ.. ويُؤازِرُني عَلَيهِ وعَلى القِيامِ بِهِ.. يكونُ أخِي. وَوَصِيّي . ووزِيرِي . وَوارِثي.. وخَليفَتي مِنْ بَعْدِي.. وما زالَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم يُكرِّرُ كَلامَهُ فَلَمْ يَسْمَعَ جَواباً مِنْ أحدٍ سِوى ذلِكَ الّذِي كانَ يَجْلِسُ بَيْنَهُمْ.. وَرَغْمَ أنَّهُ كانَ أصْغَرُ الحَاضِرِينَ سِنّاً.. إلاّ أنَّهُ كُلّما سَمِعَ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَنهَضُ واقِفاً وبِكُلِّ ثِقَةٍ يَقُولُها : ـ أنَا يَا رَسُولَ اللهِ أُؤازِرُكَ عَلى هذا الاَمْرِ..


فَيَأمُرُهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وآله وسلم : ـ إِجْلِسْ..
ثُمَّ يُعِيدُ عَلى الحَاضِرِينَ قَوْلَهُ..
يا مَوْلايَ يا رَسُولَ اللهِ.. هَلْ تَنْتَظِرُ غَيْرَ هذا الفَتى .
وأنْتَ أعْلَمُ الناسِ بِهِ..؟!
أليْسَ هُوَ الّذي اختَرْتَهُ مِنْ بَيْنَ إخْوَتِهِ لِيَعِيشَ مَعَكَ وَلَمْ يَكُنْ عُمْرُهُ آنَذاك سِوى سِتِ سَنَواتٍ ؟! فَجَعَلْتَهُ يَنْشَأُ في رِعايَتِكَ . ويَشْرَبُ مِنْ يَنابِيعِ عِلْمِكَ.. كُنْتَ تَضُمُّهُ إلى صَدْرِكَ.. وتَمْضَغُ الطَعامَ ثُمَّ تَضَعُهُ في فَمِهِ.. مَنْ غَيْرُهُ كانَ يَعْلَمُ بِكَ وأنْتَ تُجاوِرُ في كلِّ سنة غارَ حِراء فَيَراكَ ولا يَراكَ غَيْرُهُ..؟! وهَلْ هُناكَ غَيْرُ هذا الفَتى الّذي شَمَّ رائِحَةَ النُّبُوَّةِ.. وَرَأى نُورَ الوَحْي والرِسالَةِ مُنْذُ نُعُومَةِ أظْفارِهِ..؟! وَأخَذَ العِلْمَ مِنْكَ حَتّى بادَرَكَ في يَوْمٍ سائِلاً إيّاكَ بَعْدَ أنْ سَمِعَ رَنَّةً تنْسابُ إلى مَسامِعِهِ : ـ يا رَسُولَ اللهِ.. ما هذِهِ الرَنَّةُ ؟!


فَقُلْتَ لَهُ : هذا الشَيْطانُ قَدْ أَيسَ مِنْ عِبادَتِهِ.. إنَّكَ تَسْمَعُ ما أسْمَعُ وتَرى ما أرى إلاّ أنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ.. وَلكِنَّكَ وَزِيرٌ..
وَهَلْ غَيْرُهُ يا رَسُولَ اللهِ.. وَقَدْ شَهِدَ الحالةَ الرُوحِيّةَ الّتي كُنْتَ تَمُرُّ فِيها خِلالَ اختِلائِكَ في غارِ حِراءِ.. حَتّى أيْقَنَ بِكُلِّ شَيءٍ فَلَمْ يَحْتَجْ أنْ تَدْعُوهُ إلى الاِسلامِ ؟! وَهُوَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ عليه السلام الّذي لَمْ تُصِبْهُ الجاهِلِيَّةُ بِشَيءٍ مِنْها.. ولَم يَتَفاعَلْ مَعَها.. فَقَدْ كانَ مُطَّلِعاً على أمْرِ دَعوَتِكَ ومنهجِ رِسالَتِكَ.. فَأعلنَ تَصدِيقَهُ بِكَ وأيقنَ حتّى قالَ: ـ عَلَّمَني رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ألفَ بابٍ مِنَ العلمِ يُفتَحُ لي مِنْ كُلِّ بابٍ ألفُ بابٍ..


وأخيراً قالَها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِعليٍّ عليه السلام : ـ إجلِسْ فَأنتَ أخي ووصيِّي ، ووزيرِي، ووارِثي ، وخليفَتِي مِنْ بَعدِي..
فنهضَ القومُ يُخاطِبونَ أبا طالبٍ ساخِرينَ : ـ لِيهُنِئَكَ اليومُ أنْ دخلتَ في دينِ ابنِ أخيكَ . فقدْ جَعلَ ابنَكَ أميراً عَليكَ..
وَهَل غيرُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ عليه السلام الفتى الّذي كَرّمَ اللهُ تعالى وجْهَهُ بِما لَمْ يُكرِّمْ بِهِ غَيرَهُ حتّى مِنَ الاَنبياءِ.. وذلكَ باستضافَةِ أُمّهِ فاطمةَ بنتِ أسد في بيتهِ الشريفِ.. فدخَلَتْ لِتَضَعَهُ هُناكَ.. فَـوَلَـدتـهُ حَـسَـنَ الوجهِ مَسروراً نظيفاً.. وأطعمَ اللهُ أمَّهُ


مِنْ ثِمارِ الجنَّةِ وَهيَ ما تزالُ في الدُّنيا.. وناداها : ـ يافاطمةُ سَمِّيهِ عليّاً.. إني شَقَقتُ اسْمَهُ مِنِ اسمي.. وأدّبتُهُ بأدبي.. وَوَقّفتُهُ على غامِضِ عِلمي.. فَطُوبى لِمَنْ أحَبَّهُ وأطاعَهُ.. وَوَيلٌ لمنْ أبغَضَهُ وَعَصاهُ..
وكلُّ ما جَعَلَهُ اللهُ تعالى من أمرِ عليٍّ عليه السلام منذُ لَحظةِ وِلادتِهِ في بيتِهِ الشَّريفِ.. وإلى لَحظةِ دعوتِكَ يا رسولَ اللهِ ما كانَ إلاّ أن يَكونَ هو خليفَتك ووزيرَك..

* * *

وتَمُرُّ الاَعوامُ متعاقبةً.. حتّى جاءَ ذلِكَ اليومُ الموْعودُ.. ويا لَهُ مِنْ يومٍ.. كانَ الجوُّ شديدَ الحرارةِ في ظهيرَةِ ذلِكَ اليومِ.. وكانَتْ آلافُ القوافِلِ عائدةً مِنَ الحَجِ مَعَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وكانَتْ أقْدامُهُمْ تكتوَي مِنْ شدَّةِ حرارةِ الرّمالِ.. وتَلفَحُ وجُوهَهُمْ سمومُ الصحراءِ تحتَ لهبِ الشمسِ.. والاَكثرُ منْ هذا هوَ ما كانَ يَختَلِجُ

في صدورِهِم.. فقدْ لَمَّحَ لَهُمْ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أثناءَ مناسكِ الحَجِّ بما جَعَلَهُمْ يشعرُونَ بأنَّ هذهِ الحَجَّةُ هيَ آخرَ حَجّةٍ لهُ صلى الله عليه وآله وسلم .. وواصَلَتِ القَوافِلُ سيرَها حتّى وَصَلَتْ إلى مكانٍ تَتفرَّعُ منهُ طُرُقُ بُلدانِ الحُجّاجِ.. والّذي يُسمّى بغَديرِ خُمٍّ.. سَمِعَ الناسُ صَوتاً يُناديهِم ويدعُوهُم إلى التَوَقُّفِ.. فَنَظَرُوا خَلْفَهُم مُتسائِلينَ عَمّا يجري : ـ مَا الّذي حَصَلَ في هذا الوقتِ وفي هذهِ الظُروفِ.. ؟!
فهناكَ أشخاصٌ يَعْمَلونَ على تَهْيئَةِ بَعْضِ الخِيامِ لِينصِبوُها في أماكِنَ مُعَيَّنَةٍ..


إنَّهُمْ يَتساءَلُونَ ورُبَّما في تِلكَ اللحظَةِ لا يَعلَمون أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم لم يَفعلْ ذلِكَ رَغْبَةً مِنْهُ . وإنَّما بأمرٍ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ.. نَزَلَ بهِ الاَمينُ جبرائيلُ مُخاطِباً بهِ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم :

( يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إليكَ مِنْ رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ..) (2). نُودِيَ لصلاةِ الظُهرِ.. فَصَلّى الرَسولُ صلى الله عليه وآله وسلم بِتِلْكَ الجمُوعِ الغَفيرَةِ وفي ذلِكَ اليومِ الذي كانَ يضَعُ فيهِ الرَجُلُ بعضَ رِدائِهِ فَوْقَ رَأسِهِ وبَعْضَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الرَمضاءِ .


ولمّا سَلَّمَ الرَسولُ صلى الله عليه وآله وسلم مُنتَهياً مِنْ صَلاتِهِ.. قامَ خَطيباً فوقَ أقتابِ الاِبلِ وَسَطَ تِلكَ الجمُوعِ رافعاً صَوتَهُ لاِسماعِهِم : ـ الحمدُ للهِ.. ونَسْتعينُهُ ونُؤمِنُ بهِ ونَتَوَكَّلُ عَلَيهِ.. ونَعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعْمالِنا.. الّذي لا هاديَ لِمَنْ ضَلَّ.. ولا مُضِلَّ لِمَنْ


هَدى.. يا أيُّها الناسُ ! قدْ نَبَّأني اللطِيفُ الخبيرُ أنَّهُ لَنْ يُعَمَّرَ نَبيٌّ إلاّ مِثْلَ نصفَ عُمرُ الّذي قَبْلَهُ.. وإنّي أُوشَكُ أنْ أُدعى فَأُجيبُ وإنّي مَسؤولٌ ، وأنْتُمْ مَسؤُولونَ . فماذا أنْتُم قائلونَ ؟

قالوا : ـ نشهدُ أنَّكَ قدْ بلَّغْتَ وجاهَدْتَ ونَصَحْتَ فَجزَاكَ اللهُ خيراً..

فقالَ لَهُمْ : ـ ألَسْتُمْ تشهَدُونَ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وأنَّ مُحمّداً عَبدُه ورسولُهُ.. وأنَّ جَنَتَهُ حَقٌّ.. ونارَهُ حَقٌّ.. والموْتَ حَقٌّ.. والبَعثَ حَقٌّ.. وأنَّ الساعةَ آتِيةٌ لا رَيْبَ فِيها.. وأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القُبورِ.. فقالوا : ـ نشْهَدُ بِذلِكَ..

فقالَ : ـ اللّهُمَّ اشهَدْ.. يا أيُّها الناسُ ! إنَّ اللهَ مَوْلايَ.. وأنا مَوْلى المُؤمِنينَ.. أوْلى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ..

وقَدْ كانَ الاِمامُ عليٌّ عليه السلام إلى جانبِهِ فأخَذَ بِيَدِهِ ورَفَعَها عالِياً معَ يَدهِ..

حتّى شاهدَ الناسُ بَياضَ إبْطَيْهِما.. ونادى رافعاً صوتَهُ : ـ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَهذا عَليٌّ مَوْلاهُ ، اللّهُمَّ والِ مَنْ والاهُ وعادِ مَنْ عاداهُ ، وأحِبَّ مَنْ أحَبَّهُ وابْغُضْ مَنْ أبْغَضَهُ.. وانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ واخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ ، وأدِرْ الحَقَّ معهُ حَيثُ دارَ.. يا أيُّها الناسُ ! إنّي فَرْطُكُمْ.. وإنَّكُمْ وارِدونَ عَلَيَّ الحوْضَ.. حَوْضٌ عَرْضُهُ ما بَيْنَ بصْرى إلى صَنْعاءَ.. فيهِ أقداحٌ بعدِدِ النُجومِ مِنَ الفِضَّةِ.. فَانْظُروا كيفَ تُخلِفُوني في الثَّقَلَينِ.. إنّي سائِلُكُمْ عَنْهُما حينَ ترِدونَ عَلَيَّ الحَوْضَ.. الثقلُ الاَكْبرُ كتابُ اللهِ تعالى طَرَفٌ
مِنهُ بيدِ اللهِ تعالى والطَرَفُ الآخَرُ بأيدِيكُمْ.. فاستَمسِكُوا بهِ لَنْ تَضِلُّوا.. والثَقلُ الآخَرُ عِتْرَتي أهلُ بَيتي.. وأنَّ اللطيفَ الخبيرَ نَبَّأني أنَّهُما لنْ يَفتَرِقا حتّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوْضَ.. فلا تتقدَّموهُما فَتَهْلَكُوا.. ولا تُقَصِّروا عنْهُما فَتَهلَكُوا كذلِكَ.. ولِيُبَلِّغِ الشاهدُ مِنْكُمُ الغائبَ..


وشَهِدَ غَديرِ خُمٍ في تِلكَ السّاعَةِ عاطفةٌ خاصةٌ ونكهةٌ لا يُمكنُ أن تُنسى وقائِعُها عِنْدَ البَشَرِ.. فَقَدْ جَاءَ هَذا التَّبليغُ مُتزامِناً مَع عباراتِ الوَداعِ لِيبقى حيّاً في ضَميرِ الاُمّةِ ووجدانِها وذاكرتِها.. فَتَقاطَرَ عَليهِ الناسُ يُبايعُونَهُ.. وجاءَ الشيخانُ أبو بكرٍ ، وعمرُ بنُ الخطّابِ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم

وقالا له : ـ أهذا الاَمرُ مِنكَ أمْ مِنَ اللهِ..؟!!

فقالَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : ـ وَهَلْ يَكونُ هذا عن غَيرِ أمرِ اللهِ.. ؟!!!

فتقدَّمَ عُمَرُ بنُ الخطابِ مِنْ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ عليه السلام وسَلَّمَ عليهِ قائلاً : ـ السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمنينَ بَخٍ بَخٍ لَكَ يا عليُّ.. لَقَدْ أصبَحتَ مَولايَ ومَولى كلِّ مؤمنٍ ومُؤمنةٍ..

وكذلِكَ فَعلَ أبو بكرٍ مِثلَ ما فَعَلَ عمرُ بنُ الخطّابِ أمامَ تلكَ الجُموعِ المحتَشِدَةِ..
* * *

وَرغْمَ كلِّ الّذي حَصَلَ في بيعةِ الغَديرِ المباركةِ مِنْ تأكيدٍ للرَّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم على أنَّ الخِلافةَ لعليٍّ بنِ أبي طالبٍ عليه السلام كانتْ أمراً مِنَ اللهِ تَعالى لا علاقةَ للرَّسولِ في مَنْحِها رغبةً مِنْهُ لِصِلَةِ القرابَةِ بَيْنَهُ وبينَ عليٍّ بنِ أبي طالب عليه السلام إلاّ أنَّهُ يَعْلَمُ بِما سَيَحصَلُ بعدَ وفاتِهِ صلى الله عليه وآله وسلم وها هُوَ في إحدى الليالي يُنادي عليّاً وجماعةً مِنْ أصحابِهِ.. لِيَخرُجَ بِهمْ إلى البَقيعِ.. وَقَدْ كان يَشعُرُ بِتَدَهورِ حالتِهِ الصّحِيّةِ.. ودِنوِ أجَلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم . فَوَقَفَ بينَ القبورِ مُخاطباً موتى المؤمنين: ـ السلامُ عليكُمْ يا أهلَ القبورِ.. لَيُهنِئَكُمْ ما أصبَحتُم بِهِ.. ممّا فيه الناسُ فَقَدْ أقبَلتِ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظلِمِ يَتْبَعُ أوّلُها آخرَها..

ثُمَّ استَغفَرَ لَهُم طويلاً.. ونَعى نفسَهُ لِمنْ كانَ حاضِراً مِنَ المؤمنينَ...

* * *
كانَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم قَدْ أمَرَ بتجهيزِ جَيشٍ وَضَعَ في عِدادِهِ شيوخَ المُهاجرينَ والاَنصارِ.. أبا بكر.. وعمرَ بنَ الخطابِ.. وعثمانَ بنَ عفّانِ وغَيرَهُم.. وَوَضَعَ لِقيادِة الجيشِ الصّحابيَّ الشابَّ أُسامةَ بنَ زيدِ بنِ حارثةٍ الحارث.. وفي الوقتِ الّذي كانَ الرسولُ صلى الله عليه وآله وسلم يُعاني مِنْ شِدَةِ مَرَضِهِ.. اعتَذَرَ عمرُ بنُ

الخطّابِ وأبو بكرٍ.. وعثمانُ.. عن التِحاقِهِمْ بِجَيشِ أُسامةَ.. رغمَ أنَّ الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم كانَ قَد قالَ ساعتَها : ـ لَعَنَ اللهُ مَنْ تَخلَّفَ عَنْ جيشِ أُسامةَ..!!

زاعمينَ بِذلِكَ أنَّهم لا يَستطِيعونَ مُفارَقةَ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَهُوَ في أشدِّ حالاتِ مَرَضِهِ.. ولكِنْ حِينَ سَقَطَ رأسُ الرّسولِ صلى الله عليه وآله وسلم في حِجْرِ عليٍّ بنِ أبي طالب عليه السلام وَفاضَتْ نَفسُهُ الطاهرةُ..

خَرَجَ هؤلاءِ الثَّلاثَةُ تارِكِينَ أمرَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وتَوجَّهُوا إلى سَقيفَةِ بني ساعِدَةَ لِعقدِ اجتماعٍ لِتَنصِيبِ مَنْ يُخلِفُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم في قِيادةِ المسلمينَ.. مُتجاهِلينَ بِذلِكَ كلامَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وكلَّ ما حدَثَ في بيعةِ الغديرِ التي لَمْ يَمضِ عَليها وقتٌ طويلٌ.. وبِهذا يكونونَ قَد بَرهَنُوا على تَخلُّفِهِم عَنْ تِلكَ البيعةِ المبارَكةِ في غديرِ

خُمٍّ.. وحَسبُنا كلامُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُخاطِباً عليّاً عليه السلام : ـ يا عليُّ لا يَحبُّكَ إلاّ مؤمنٌ.. ولا يَبغُضُكَ إلاّ منافقٌ أو ابنُ زِنا..

وهُناكَ تَحتَ تِلكَ السَّقِيفَةِ المشؤُومَةِ بادَرَ عمرُ بنُ الخطّابِ إلى بيعةِ أبي بكرٍ بالخِلافَةِ.. وَطَلَبَ مِنَ الحاضرِينَ أنْ يُبايِعُوهُ.. وَقَدْ وَصَلَ النَّبأ إلى مَسامعِ الاِمامِ عليٍّ عليه السلام مِن خِلالِ الضَّجيجِ الّذي أحدَثَهُ خُروجُ القَومِ مِنَ السقِيفَةِ مُتَوَجّهِينَ إلى المْسجِدِ النَّبوَيّ.. وَهُمْ يَزِفُّونَ أبا بكرٍ كَزفافِ العروسِ في نفسِ الوَقتِ الّذي كانَ

فِيهِ الاِمامُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ عليه السلام مشغولاً مَع بقيةِ أهلِ بيتِ النُبوةِ عليهم السلام بتَجهِيزِ الرسولِ الاَكرمِ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وتغسيلِهِ وتَكفِينِهِ والصلاةِ عليهِ ودَفنِه.. ولِعَدَمِ قناعةِ الاِمامِ عليٍّ عليه السلام بِما يَجري فَقَدْ ظَلَّ مُؤمناً بحقِّهِ في الخِلافَةِ مُدافِعاً عن الاِسلامِ

والمسلِمِينَ ، مُتصدِياً لِحلِّ المُعضَلاتِ ، مُتحمِلاً الآلامِ، صابِراً حتى خرجَ أشْقاها ليُخَضِّبَ كريمتهُ المقُدَّسَةَ ، وليَثكِلَ الاُمّةَ الاِسلاميةَ كلَّها بِهِ وكانَ ذلِكَ في لَيلَةِ التاسعَ عَشَرَ مِنْ شِهْرِ رمضانَ سنةَ 41 من الهجرةِ.
* * *